ابن قيم الجوزية

317

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

مزمارا » فأثر إسرائيلي . قيل : إنه في التوراة . وله معنى صحيح . فإن المؤمن حزين على ذنوبه ، والفاجر لاه لاعب ، مترنم فرح . وأما قوله تعالى عن نبيه إسرائيل وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [ يوسف : 84 ] فهو إخبار عن حاله بمصابه بفقد ولده ، وحبيبه ، وأنه ابتلاه بذلك كما ابتلاه بالتفريق بينه وبينه . وأجمع أرباب السلوك : على أن حزن الدنيا غير محمود إلا أبا عثمان الحيري ، فإنه قال : الحزن بكل وجه فضيلة ، وزيادة للمؤمن . ما لم يكن بسبب معصية . قال : لأنه إن لم يوجب تخصيصا ، فإنه يوجب تمحيصا . فيقال : لا ريب أنه محنة وبلاء من اللّه ، بمنزلة المرض والهم والغم . وأما أنه من منازل الطريق : فلا . واللّه سبحانه أعلم . قال صاحب المنازل : « الحزن : توجع لفائت ، وتأسف على ممتنع » . يريد : أن ما يفوت الإنسان قد يكون مقدورا له ، وقد لا يكون . فإن كان مقدورا توجع لفوته ، وإن كان غير مقدور تأسف لامتناعه . قال « وله ثلاث درجات ، الأولى حزن العامة ، وهو حزن التفريط في الخدمة . وعلى التورط في الجفاء ، وعلى ضياع الأيام » . التفريط في الخدمة عندهم : فوق التفريط في العمل وتضييعه . بل هذا الحزن يكون مع القيام والعمل . فإن الخدمة - عندهم - من باب الأخلاق والآداب ، لا من باب الأفعال . وهي حق العبودية ، وأدبها وواجبها ، وصاحب هذا الحزن بالأولى : أن يحزن لتضييع العمل . وأما التورط في الجفاء : فهو أيضا أخص من المعصية بارتكاب المحظور . لأنه قد يكون لفقد أنس سابق مع اللّه . فإذا توارى عنه تورط في الجفوة . فإن الشيخ ذكر « الحزن » في قسم الأبواب . وهو عنده من قسم البدايات . وأما تضييع الأيام : فنوعان أيضا : تضييعها بخلوها عن الطاعات ، وتضييعها بخلوها عن مواجيد الإيمان ، وذوق حلاوته ، والأنس باللّه ، وحسن الصحبة معه . فكل واحد من الثلاثة نوعان لأهل البداية . وللسالكين المتوسطين . وكلامه يعم النوعين ، وإن كان بالثاني أخص . قال : « الدرجة الثانية : حزن أهل الإرادة . وهو حزن على تعلق القلب بالتفرقة ، وعلى اشتغال النفس عن الشهود ، وعلى التسلي عن الحزن » . تعلق القلب بالتفرقة : هو عدم الجمعية في الحضور مع اللّه ، وتشتيت الخواطر في أودية المرادات . وأما اشتغال النفس عن الشهود : فهو نوعان : اشتغالها عن الذكر الذي يوجب الشهود ويثمره بغيره . والثاني : اشتغالها عن الشهود . لضعف الذكر ، أو لضعف القلب عن الشهود ، أو لمانع آخر . ولكن إذا قهر الشهود النفس لم تتمكن من التشاغل عنه إلا بقاهر يقهرها عنه .